ابن عربي
270
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
أخر الاسم الباطن لما عبر عن هذه النعوت الإلهية ، فالآخر يتضمن ما في الأول ، والظاهر يتضمن ما في الآخر والأول ، والباطن يتضمن ما في الظاهر والآخر والأول ، ولو جاء شيء بعد الباطن لتضمن الباطن وما قبله ، ولكن الحصر منع أن يكون سوى هذه الأربعة ، ولا خامس لها إلا هويته تعالى ، وما ثمّ في العالم حكم إلا من هذه الأربعة ، وعلى صورة هذه الأربعة ظهر عالم الأرواح وعالم الأجسام ، فأقام الحق الوجود على التربيع ، وجعله لنفسه كالبيت القائم على أربعة أركان ، واعلم أن الذات الأزلية لا توصف بالأولية وإنما يوصف بها اللّه تعالى ، فقوله « هُوَ الْأَوَّلُ » الضمير يعود على اللّه من للّه ، والأول خبر الضمير الذي هو المبتدأ ، وهو في موضع الصفة للّه ، ومسمى اللّه إنما هو من حيث المرتبة ، فهو الأول له منزلة الأولية الإلهية ، ومن هذه الأولية صدر ابتداء الكون ومنه تستمد كلها ، وهو الحاكم فيها ، وهي الجارية على حكمه ، ونفى السبب عنه ، فإن أولية الحق تمدّ أولية العبد ، فإن لابتداء الأكوان شواهد فيها أنها لم تكن لأنفسها ثم كانت ، فمعقولية الأولية للواجب المطلق نسبة وضعية لا يعقل لها العقل سوى استناد الممكن إليه ، فيكون أولا بهذا الاعتبار ، ولو قدر أن لا وجود لممكن - قوة وفعلا - لانتفت النسبة الأولية ، إذ لا تجد متعلقا ، فلما كان أول مخلوق ظهر هو العقل أو القلم الإلهي كان اللّه الأول بالمرتبة ، فهو الأول بأولية الأجناس وأولية الأشخاص « وَالْآخِرُ » فهو الآخر آخرية الأجناس لا آخرية الأشخاص ، فإليه يعود الأمر كله ، فلله الأولية لأنه موجد كل شيء ، وللّه الآخرية فإنه قال : ( وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ ) وقال : ( وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) وقال : ( أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ ) فهو الآخر كما هو الأول ، وما بين الأول والآخر تظهر مراتب الأسماء الإلهية كلها ، فلا حكم للآخر إلا بالرجوع إليه في كل أمر ، وكل مقام إلهي يتأخر عن مقام كوني فهو من الاسم الآخر ، مثل قوله تعالى : ( فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ) وقوله : [ من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم ] وقوله : [ من تقرب إلي شبرا تقرّبت إليه ذراعا ] وقوله تعالى : ( فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ) فالأمر يتردد بين الاسمين الإلهيين الأول والآخر ، وعين العبد مظهر لحكم هذين الاسمين - بحث في الأزل - اعلم أن الأزل عبارة عن نفي الأولية لمن يوصف به ، وهو وصف للّه تعالى من كونه إلها ، وإذا انتفت الأولية عنه تعالى من كونه إلها ، فهو المسمى بكل اسم يسمي به نفسه أزلا ، ولم يزل مسمى بهذه الأسماء ،